محمد بن جرير الطبري

89

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ ومنه قول الشاعر : وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي * بدعواك من مذل بها فيهون وقد بينا فيما مضى قبل أن البأس والبأساء : الشدة ، بشواهد ذلك الدالة على صحته ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " ما هلك قوما حتى يعذروا من أنفسهم " . وقد تأول ذلك كذلك بعضهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن أبي سنان ، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد ، قال : قال عبد الله بن مسعود ، قال رسول الله : " وما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم " قال : قلت لعبد الملك : كيف يكون ذلك ؟ قال : فقرأ هذه الآية : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا الآية فإن قال قائل : وكيف قيل : فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك وقد جاءهم بأس الله بالهلاك ، أقالوا ذلك قبل الهلاك ؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك ، فإنهم قالوا قبل مجيء البأس ، والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم لا قبل ذلك ، أو قالوه بعد ما جاءهم فتلك حالة قد هلكوا فيها ، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله ؟ قيل : ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوله وآخره مهل ، بل كان منهم من غرق بالطوفان ، فكان بين أول ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون وبين آخره الذي عم جميعهم هلاكه المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل ؛ ومنهم من متع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أياما ثلاثة ، كقوم صالح وأشباههم ، فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم ، دعوا : يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم ، فحذر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله ، ما حل بمن كان قبلهم من الأمم ، إذ عصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ يقول تعالى ذكره : لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي ، هل عملوا بما أمرتهم به وانتهوا عما نهيتهم عنه وأطاعوا أمري ، أم عصوني ، فخالفوا ذلك ؟ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ يقول : ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم ، هل بلغتهم رسالاتي وأدت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليه ، أم قصروا في ذلك ففرطوا ولم يبلغوهم ؟ . وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ قال : يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ، ويسأل المرسلين عما بلغوا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ إلى قوله : غائِبِينَ قال : يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن